أبي حيان الأندلسي

112

تفسير البحر المحيط

* ( رَشَدًا ) * وأدنى خيراً أو منفعة ، ولعل النسيان كان خيرة كقوله * ( أَوْ * نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا ) * . وقال الزمخشري : وهذا إشارة إلى بناء أهل الكهف ، ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني نبيّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من بناء أصحاب الكهف ، وقد فعل ذلك حيث آتاد من قصص الأنبياء والأخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدل انتهى . وهذا تقدمه إليه الزجاج قال المعنى : * ( عَسَى ) * أن ييسر الله من الأدلة على نبوّتي أقرب من دليل أصحاب الكهف . . وقال ابن الأنباري : * ( عَسَى ) * أن يعرفني جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد . وقال محمد الكوفي المفسر : هي بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن وإنها كفارة لنسيان الاستثناء . * ( وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَاواتِ وَالاْرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا * وَاتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبّكَ لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) * . الظاهر أن قوله * ( وَلَبِثُواْ ) * الآية إخبار من الله تعالى بمدة لبثهم نياماً في الكهف إلى أن أطلع الله عليهم . قال مجاهد : وهو بيان لمجمل قوله تعالى * ( فَضَرَبْنَا عَلَىءاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ) * ولما تحرر هذا العدد بإخبار من الله تعالى أمر نبيه أن يقول * ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ) * فخبره هذا هو الحق والصدق الذي لا يدخله ريب ، لأنه عالم * ( غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضِ ) * والظاهر أن قوله * ( بِمَا لَبِثُواْ ) * إشارة إلى المدة السابق ذكرها . وقال بعضهم : * ( بِمَا لَبِثُواْ ) * إشارة إلى المدة التي بعد الاطلاع عليهم إلى مدة الرسول صلى الله عليه وسلم ) . وقيل : لما قال * ( وَازْدَادُواْ تِسْعًا ) * كانت التسعة منبهمة هي الساعات والأيام والشهور والأعوام ، واختلفت بنو إسرائيل بحسب ذلك فأمره تعالى برد العلم إليه يعني في التسع وهذا بعيد لأنه إذا سبق عدد مفسر وعطف عليه ما لم يفسر حمل تفسيره على السابق . وحكى النقاش أنها ثلاثمائة شمسية ، ولما كان الخطاب للعرب زيدت التسع إذ حساب العرب هو بالقمر لاتفاق الحسابين . وقال قتادة ومطر الورّاق : * ( لَبِثُواْ ) * إخبار من بني إسرائيل ، واحتجوا بما في مصحف عبد الله وقالوا * ( لَبِثُواْ ) * وعلى غير قراءة عبد الله يكون معطوفاً على المحكي بقوله * ( سَيَقُولُونَ ) * . ثم أمر الله نبيه أن يرد العلم إليه * ( بِمَا لَبِثُواْ ) * ردّاً عليهم وتفنيداً لمقالتهم . قيل : هو من قول المتنازعين في أمرهم وهو الصحيح على مقتضى سياق الآية ، ويؤيده * ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ) * جعل ذلك من الغيوب التي هو تعالى مختص بها . وقرأ الجمهور : مائة بالتنوين . قال ابن عطية : على البدل أو عطف البيان . وقيل : على التفسير والتمييز . وقال الزمخشري : عطف بيان لثلاثمائة . وحكي أبو البقاء أن قوماً أجازوا أن يكون بدلاً من مائة لأن مائة في معنى مئات ، فأما عطف البيان فلا يجوز على مذهب البصريين ، وأما نصبه على التمييز فالمحفوظ من لسان العرب المشهور أن مائة لا يفسر إلاّ بمفرد مجرور ، وإن قوله إذا عاش الفتى مائتين عاماً من الضرورات ولا سيما وقد انضاف إلى ذلك كون * ( سِنِينَ ) * جمعاً . وقرأ حمزة والكسائي وطلحة ويحيى والأعمش والحسن وابن أبي ليلى وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي مائة بغير تنوين مضافاً إلى * ( سِنِينَ ) * أوقع الجمع موقع المفرد ، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة ولا يجوز له ذلك . وقال أبو عليّ : هذه تضاف في المشهور إلى المفرد ، وقد تضاف إلى الجمع . وقرأ أبي سنة وكذا في مصحف عبد الله . وقرأ الضحاك : سنون بالواو على إضمار هي سنون . وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه * ( تِسْعًا ) * بفتح التاء كما قالوا عشر . ثم ذكر اختصاصه بما غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ، وجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمسموعات والمبصرات للدّلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين ، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجماً وأكثفها جرماً ، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر والضمير في * ( بِهِ ) * عائد على